الذهبي
26
الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة
فكذلك جهالة الراوي بالنسبة لكذبه وتهمته وفسقه ، فالأولى ( يريد : الجهالة ) مظنة لضعف الحديث فحسب ، والأخرى أسباب حقيقة لضعف الحديث ، فالمحدث إذا نظر في سند حديث ووجد فيه رجلا مجهولا : حكم بضعفه ، لاحتمال ضعف ذلك المجهول ، وربما حكم بوضعه ، لغلبة الظن عنده بأن ذلك المجهول كذاب لأسباب أذكرها بعد إن شاء الله تعالى . ثم قد يبقى ذلك الحكم مستمرا عنده وعند غيره ، لاستمرار الجهل بذلك الراوي عند الجميع ، وقد يرتفع ذلك الحكم عنده أو عند غيره لارتفاع جهالة الراوي المذكور ، فكم من محدث يجزم بضعف الحديث لظنه بجهالة راو بسنده ، ثم بعد ذلك يقف على ترجمته وكونه ثقة معروفا ، فيرجع عن حكمه السابق ، وكم من حافظ حكم بضعف حديث أو بطلانه معللا ذلك بجهالة بعض الرواة ، فتعقبه من بعده بكون ذلك الراوي غير مجهول وأنه معروف إما العدالة وإما بالجرح ، وقد وقع هذا بكثرة لابن حزم ، وعبد الحق ، وابن القطان ، وابن الجوزي ، بل لابن حبان وغيره من المتقدمين ، ومن قرأ " اللآلئ المصنوعة " و " اللسان " و " تعجيل المنفعة " رأى من التعقب بمثل هذا على المذكورين وغيرهم الكثير . . . والمقصود : أن الجهل بالراوي ليس ضعفا حقيقيا ، وإنما هو مظنة قد ترتفع ، وقد تكون مرفوعة في نفس الأمر . فابن حزم لما ضعف الحديث بجهالة الترمذي : لم يكن تضعيفه واقعا على الحديث إذ ذاك ، لكون الترمذي إماما مشهورا حافظا ثقة باتفاق ، ولكن ابن حزم جهله ، لعدم اشتهار " سننه " بالأندلس في عصره ، والكمال لله تعالى . ثم إن المجهول لا يخلو من أن يكون حديثه معروفا أو منكرا ، فإن كان معروفا فجهالته لا تضر ، وإن كان منكرا وعرف تفرده به فهو - أي المجهول - ضعيف محقق الضعف حتى لو رفعت جهالته العينية برواية اثنين فصاعدا عنه ، أو لم ترفع ، فهو ضعيف مجروح خارج من حيز المجاهيل إلى حيز الضعفاء المحقق ضعفهم . وبهذا الضابط يعرف المتأخرون ضعف الراوي المتقدم عنهم ، أو ثقته ( 1 ) ، مع أنهم لم يروه ولم يعاشروه ، بل يتكلمون في الرواة المتقدمين عنهم بمئات السنين . . . وذلك أنهم يعتبرون أحاديث الراوي ويتتبعونها ، فإن وجدوها موافقة للأصول وأحاديث الثقات ، ليس فيها تفرد بغرائب ومناكير ، وليس فيها قلب ولا غلط ولا تخليط : حكموا بضبط الراوي وثقته ( 1 ) ، وإن وجدوها بخلاف ذلك : حكموا بضعفه وأنزلوه بالمنزلة التي تدل عليها أحاديثه من كونه وضاعا أو كثير الخطأ فاحشة ، أو غير ذلك مما له ألقاب تخصه ( 2 ) .